فوزي آل سيف

51

معارف قرآنية

وعند آخر : الوحي تجربة انسانية ، وتجل مثلما هو عند الشعراء وهذا هو التعديل والتخفيف لما ذكره المستشرقون المتعصبون في حق النبي عندما وصفوه بأنه صلى الله عليه وآله مصاب بالصرع أو به مس ،فعندما تحدث له تلك الحالة ينبعث منه بعض الكلام والتصورات فينقلها للمسلمين ! وقد رأوا أن هذا الكلام عظيم المسمع على المسلمين في حق النبي صلى الله عليه وآله فقالوا بانه تمر عليه حالات معينة يتفاعل معها وتجعله ينتج كلاماً من داخله وبما أنه ليس كلاماً من الله فلا قداسة له ولسنا ملزمين بإتباعه، هذه هي فكرة هؤلاء المستشرقين ، وقبل المستشرقين قال كفار قريش عن النبي إنه شاعر[90] وصاحب تجربة شعرية ، وهي مع تخفيف وتغيير بسيط فكرة هؤلاء الحداثيين. وفي الرد على هؤلاء: أولاً: هذه الفكرة تضرب في صميم الوحي وفي صميم القرآن الكريم، والذي يلتزم بها لابد أن يكذب كل الآيات التي وردت فيها عبارة (إنا أنزلناه، نزل، انزل ..)، مثل قوله تعالى: ((إنا انزلناه في ليلة القدر)) و ((إنا انزلناه تنزيلاً)) و ((بالحق انزلناه وبالحق نزل))، والغريب في الأمر أن البعض يلتزمون بتلك الأفكار مع اعتبار انفسهم مسلمين. خصوصا مع ملاحظة الضمائر مثل ( نزل به ) أي بهذا القرآن بمعناه ولفظه لا بجزء منه وهو المعنى مثلا ! ثانياً: كل ما ورد في القرآن الكريم وفيه أمر بالقول هو أمر من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثل قوله تعالى: ((قل هو الله أحد))، ((قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم))، فكلمة قول وأمثالها وهي موجودة فيما يقارب 300 موضع في القرآن الكريم وهو أمر صادر من الأعلى إلى الأدنى، فلو قلنا أن القرآن هو كلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يأمر نفسه ويقول لها (قل)؟! فهذا نوع من البلاهة ولا يوجد إنسان عاقل يقول لنفسه (قل هو الله أحد). كذلك الآيات التي يوجد فيها كلمة ( نتلو ) ومشتقاتها ، تصبح كاذبة ولا معنى لها إذا كان النبي هو صاحب التجربة الشعرية والانفعالية المنتجة لهذه النصوص والكلمات ، فهو الذي يتلوها لا أنها تتلى عليه .. والحال ان القرآن يتحدث عن تلاوة على النبي في مواضع كثيرة .. فمن يقبل هذا الكلام لا بد أن يسقط كل الآيات التي فيها إشارة إلى أمر( قل ) وكل الآيات التي توجد فيها مفردات التلاوة كقوله تعالى: ((تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين))، ثالثا : لو تدخلت قوة بشرية في صياغة القرآن ( بمن في ذلك النبي كما زعموا) فإنه يبطل احتجاج القرآن بعجز البشر عنه ، إذ بالامكان بعد ذلك أن يتم للبشر ما أرادوا بالقول أن واحدا من البشر من دون حاجة إلى اجتماع الإنس والجن قد استطاع أن يأتي بهذا القرآن كلاًّ أو جزءا. ( ولو كان بعنوان النبي ) . ثم هل يعقل أن يتحدى ( النبي ) بالقول ( لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله) وبعد ذلك هو يأتي بالقرآن؟! هل هذا إلا تناقض وتهافت ؟ رابعا : إن هذا يقتضي والعياذ بالله أن يكون النبي المصطفى كاذبا ، فهو يبلغ هذا الكلام باعتباره كلام الله ويقول إن الله يقول كذا .. بينما الكلام كلام النبي ـ بناء على هذه الفكرة ـ ! لو أن شخصا نقل عن سلطان كلاما لم يقله ذلك السلطان وأخبر رعيته عنه باعتبار أنه كلام من عند السلطان لكان حقا عليه أن يعاقب ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) لكنه حاشا النبي أن يفعل شيئا من ذلك .. بينما هذه النظرية تقول إن النبي قد أنتج ( كل الأقاويل ) وليس بعضها !!

--> 90 ) ( بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ..) ، (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)